حسن الأشرف*
"جل صناع السينما بالمغرب يطمحون إلى استجداء صناديق الدعم الفرنسية"، هذا ما قاله محمد أشويكة، الناقد والسيناريست السينمائي المغربي، مضيفا أن كل سينمائي مقيم بالخارج أصبح يعود إلى المغرب في هجرة معكوسة بهدف إنجاز فيلم.
وحدد أشويكة في حوار خص به شبكة إسلام أون لاين حول السينما المغربية وواقعها المفاتيح الأولى التي تمكنها من ولوج مجال الاحتراف السليم، مبرزا أن الجمهور المغربي لا يذهب إلى السينما كحاجة، نظرا لعدم تجذر عادة الاستهلاك السينمائي في الأُسَرِ والعائلات، وضعف القدرة الشرائية واستشراء القرصنة.
وأوضح الناقد السينمائي بأن السينما بالمغرب تعاني من مشكلتين: مواجهة الهيمنة اللغوية الغربية، ومواجهة اللهجات العربية أيضا، منتقدا الدول العربية التي ترى في المغرب مجرد سوق استهلاكية ولا تريد أن تقوم ولو بمجهود بسيط لاستهلاك منتوجه منتجه السينمائي.
وتحدث أشويكة عن موجة أفلام تحاول مقاربة ما سمي بسنوات "الرصاص" في المغرب التي تعني فترة هيمنت فيها الاعتقالات السياسية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كما عرج الحوار على التفصيل في مواضيع من قبيل سينما "الجرأة" والنقد السينمائي بالمغرب وتقدمه مقارنة مع واقع السينما المغربية.
* صدر لك أخيرًا كتاب "السينما المغربية: أطروحات وتجارب"، تناولت فيه الكثير من القضايا والإشكالات المتعلقة بالسينما المغربية.. هل يمكنك رسم صورة للقارئ العربي عن واقع السينما المغربية حاليا؟
- من الصعب الإلمام بكل تفاصيل السينما المغربية في المرحلة الراهنة؛ وذلك لأسباب متعددة، أشير إلى جزء منها من خلال الرهانات التالية باعتبارها تشكل تحديا للخروج من بعض المشاكل الحالية:
ـ الرهان الأول: العمل على خلق سينما مغربية وطنية عوض ممارسة السينما في المغرب عن طريق تقنين كل الطرق التي تصلها بما هو خارجي: إنتاج كلي أو مشترك، مشاكل الجنسية المزدوجة؛ فهناك من المخرجين "المغاربة" المقيمين بالخارج الذين لا يعودون إلى المغرب إلا من أجل الدعم.
ـ والرهان الثاني: إيجاد صيغة للتوفيق بين مشكلة الكم والكيف، والانتصار للجودة على حساب الكم.
ـ والرهان الثالث: إنشاء علاقة شفافة من طرف المؤسسة الوصية على القطاع وبين مختلف الفاعلين فيه، مع ضمان حرية الرأي والنقد والإبداع، وضمان التعددية الفكرية والإيديولوجية، وحماية الاختلاف.
ـ والرهان الرابع: مواجهة التراجع الحاصل في عدد القاعات السينمائية عن طريق العمل على بلورة خطة تجعل كل الأمكنة الثقافية فضاءات للفرجة السينمائية من قبيل دور الثقافة، ودور الشباب…، والرهان على التقرب من الأماكن الشعبية بدلا من إبعاد القاعات عن المدن فيما يشبه المركبات؛ لأن ذلك يراهن على فرجة انتقائية في حين أن القاعات السينمائية يجب أن تكون مغروسة في عمق الأحياء المأهولة بالسكان.. والتفكير في إعادة إحياء شبكة الأندية السينمائية ودعمها.
ـ والرهان الخامس: الحد من التطفل على المجال، فلا يعقل أن نجد أميين في صفوف "المهنيين" و"الفنانين" و"التقنيين"؛ لأن أساس الإبداع معرفي والسينما خطاب مُوَجَّهٌ ومُوَجِّهٌ!
ـ الرهان السادس: جعل التكوين المدخل الأساسي للممارسة السينمائية، وجعل التربية السمعية البصرية في عمق إستراتيجيات الوعي اليوم؛ لأن ذلك من شأنه الحد من القرصنة.. وذلك عن طريق تدريس مادة السمعي البصري في مستويات الإعدادي والثانوي وإحياء شبكة الأندية السينمائية العامة وداخل المؤسسات التعليمية بمختلف مراحلها.
وأعتبر أن هذه الرهانات هي بمثابة المفاتيح الأولى التي يمكن للسينما المغربية أن تلج عبرها مجال الاحتراف السليم؛ وذلك عن طريق إشراك كل الفاعلين دون انتقاء يتأسس على التوجيه والتحكم في اللعبة السينمائية بطريقة قبلية "عن بُعْد"، لاسيما وأن ديناميكية السينما التي نتحدث عنها اليوم لا يمكن أن يخلقها إلا جسد سليم تتناغم كل أعضائه من أجل خلق الحركة.
* هل يمكن الحديث عن صناعة للسينما في المغرب؟ أم ليس بعد؟ وما الذي يحتاجه المغرب لبلوغ هذه الغاية؟
- أعتبر أن السينما المغربية جديدة من الناحية الفنية باعتبارها تعكس في غالبيتها الرؤية الذاتية لكتابها ومخرجيها مما يجعلها تجريبية أكثر مما هي تؤسس لمدرسة فنية أو تيارات سينمائية مستقلة وجديدة من الناحية التاريخية؛ لأن عمرها لا يتجاوز ستة عقود على أبعد تقدير، هذا لا يمثل إلا عمر فرد حسب معدل الحياة في المغرب! فسواء بدأت السينما المغربية بفيلم المخرج محمد عصفور "الابن العاق"، أو بفيلم "الحياة كفاح" للمخرجين محمد التازي بن عبد الواحد وأحمد المسناوي.. المهم: ماذا حققت؟ وإلى أين تسير؟ وما موقع الوطن فيها؟ وما هي عائداتها؟ وما هو إشعاعها في محيطها القريب والبعيد؟
أعتقد أن المنتج إذا لم يستهلك يفسد.. والسينما كمنتج يجب أن تخرج عن طور الاستهلاك النخبوي والمُنَاسَبَاتِي؛ وأقصد استهلاك النقاد والمهتمين الذين يجد الكثير منهم صعوبات جمة في الحصول عليها، خاصة ممن لم يستطع متابعتها عبر المهرجانات والملتقيات!.
فما دامت السينما مدعومة، واستهلاكها محدودا، وإشعاعها بين المغاربة ضئيلا، والتلفزيون لا يبثها إلا لماما، والمهنيون المحترفون يمرون من فترات ركود وأزمات.. فنحن لم نصل بعد إلى مستوى الصناعة بمعناها المتكامل.. الذي يتأسس على دورة متكاملة من توفير بعض المواد الأولية محليا، وتحقيق البنيات التحتية اللازمة، هذا مع الإشارة إلى التطور الذي شهده مختبر المركز السينمائي المغربي، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة تقنيا وإداريا، وتحديد قانون للرواتب بالنسبة للمهنيين، ووضع قانون إطار لذلك؛ كي لا يبقى الأمر متروكا للتخمين والفوضى، وخلق وتنمية السوق المحلية، ثم خلق منظومة للترويج والاستهلاك محليا وإقليميا ودوليا…
وواقع الحال يشير إلى أن السينما المغربية لا تستطيع أن تكون دون دعم الدولة، كما أن كل الجهود تسير في اتجاه تنمية ذلك الدعم دون البحث عن آفاق أخرى لانخراط القطاع الخاص والمشهورين إلى المساهمة في الاستثمار في السينما ما دام أن مكسب الدعم قد تحقق ولا بد أن يستمر!
السائد
* هل توافق على الطرح الذي يتحدث عن "تصالح" بين السينما المغربية وجمهورها؟
- لم يكن الجمهور في خصام مع السينما المغربية، وإنما الأمر يتعلق بحالة عزوف وموقف تلقائي صريح من قيمة وجودة المنتوج الذي يقدم له؛ فلا نعرف بالضبط ماذا يريد الجمهور، وذلك في ظل عدم إجراء بحوث سوسيولوجية ميدانية واستطلاعات وإحصاءات تختبر رغباته وميولاته، وبالتالي يَرْس
المزيد