تجاوز عدد المشتركين في الهاتف النقال في المغرب 22 مليون مشترك، وبالنسبة للهاتف الثابت فقد بلغ عدد المشتركين 3 مليون مشترك نهاية .2008 كما تشير إحصائيات الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات أن حظيرة الهاتف العمومي تقارب 175 ألف مشترك، أما بالنسبة للإنترنت فقد تجاوز عدد المستخدمين 750 ألف مشترك. ما هي قراءتكم لهذه الأرقام؟
أنا غالبا ما أحتاط من الإحصاءات والأرقام التي تصدر عن هذا الفاعل أو ذاك، فهو يدمج فيها ما يريد من معطيات متحايلا عليها ببعض الأحيان لإعطاء الانطباع بالوضعية الجيدة التي يتمتع بها وبسلامة حالته المالية، ومن ثم صواب اختياراته. والدليل على ذلك هو خروج بعض الفاعلين كل سنة أو ستة أشهر للقول بارتفاع رقم معاملاته ب 20 أو 25 في المائة قياسا على ما تم تحصيله في المرحلة السابقة، وهذه نسب غير معقولة بالمرة في سوق استقر أو بات على مشارف الاستقرار.
لو تجاوزنا هذه الجزئية وتعاملنا مع المعطيات كما وردت بالسؤال لتبينت لنا بعض الحقائق الأساسية، وهي التي تهمني هنا أكثر من الإحصاءات في حد ذاتها:
ـ الأولى أن ارتفاع نسبة مستعملي الهاتف النقال (ولا أقول نسبة المشتركين بعقد لأن هؤلاء لا يمثلون إلا 4 بالمائة، والباقي للبطائق المسبقة الأداء). هذا الارتفاع يؤشر بالقطع على أن المجتمع المغربي هو مجتمع شفوي بامتياز. واندفاعه القوي بجهة النقاليين يؤشر على مدى الحرمان الذي كان يعيشه المغاربة زمن الهيمنة المطلقة لتكنولوجيا الهاتف القار، فقد كان الناس ينتظرون سنين وأشهرا للحصول على اشتراك، وكانوا يعمدون إلى المعارف والزبونية وإرشاء الموظفين للحصول على هذه الخدمة.
ـ الثانية أن ارتفاع الإقبال على النقال وانحسار مد الهاتف القار/الثاب تراجع بالأساس إلى ما يمنحه الأول من خدمات إضافية، لاسيما جانب الحركية في المكان والمرونة وتوفيره للصوت والصورة والمعطى مع فاعلية أكبر وبتكاليف نسبيا أقل. وهو ما جعل المواطنين يتهافتون عليه أكثر من تهافتهم على الهاتف الثابت. للتذكير فقط وإن كان خارج السياق، فعندما يريد مشترك ما بالهاتف الثابت إلغاء عقده مع الفاعل الموفر للخدمة لهذا السبب أو ذاك فسترى الابتزاز الذي ما بعده ابتزاز، والتماطل الذي ما بعده تماطل، ومصلحة تحولك إلى مصلحة إلى ما لانهاية. وأنا أعرف حالات عديدة بلغ بها السيل الزبى من هذا السلوك اللاتجاري واللاقانوني أيضا.
ـ الحقيقة الثالثة أن محدودية الارتباط بشبكة الإنترنت مرده قطعا إلى سيادة الشفوي كمعطى سوسيولوجي وراجع أيضا وبالتحديد إلى تكاليفه المرتفعة، وكذا منسوب الصبيب الضعيف الذي يمنح مقابل رسوم اشتراك عالية للغاية. وأنا صراحة لا أدري كيف لوكالة التقنين أن ”تشرع” الزيادة في رسوم الاشتراك بطريقة دورية ولا تدفع بالفاعلين إلى تخفيضها بغرض الدفع بانتشار الشبكة والإسهام في تعميمها من كل الفئات والمناطق الجغرافية.
ـ الحقيقة الرابعة هي أن هذه المعطيات الإحصائية لو سلمنا بدقتها وسلامة نية من صاغها فهي ليست دليل نجاعة أو حسن تسيير أو تدبير كما يروج لذلك البعض. إنها نتاج طفرة تكنولوجية مكنت الوفرة في التقنية والخدمات، ولم نعمل بالمغرب إلا على استيراد مخرجاتها ليس إلا، تماما كما يستورد السمسار السلع الصينية ويعيد بيعها بالمغرب بأبخس الأسعار. وأعني هنا أن دور الفاعلين إنما هو دور الوسيط بين الشركات العالمية الكبرى والمستهلك المغربي؛ يتقاضوا مقابل سمسرتهم ما يحصلون عليه بعد عملية إعادة البيع.
بالتالي فمن يدعي أنه أوصل هذا الفاعل أو ذاك إلى أرقام قياسية على رقم المعاملات ليخبرنا أين قيمته المضافة قياسا إلى ما يستورد، وليخبرنا أيضا أين جانب المجازفة الذي ركبه عندما قرر شراء هذه السلعة أو تلك. وإلا فقل لي أي مجازفة يركب ”الشناق” بظروف عيد الأضحى؟
حسب تقرير الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، تستحوذ شركة ”اتصالات المغرب” على حصة الأسد من سوق الهاتف النقال بنسبة 62,65 % بالإضافة إلى حصة سوق الانترنت بالصبيب العالي حيث تحوز ”اتصالات المغرب” الحصة الأكبر بنسبة 81,98%، باستثناء حصص سوق الهاتف الثابت، إذ يحتل المتعهد ”وانا” المرتبة الأولى بنسبة 42,53% مقابل 36,46% ”اتصالات المغرب” ثم شركة ”ميديتليكوم” بنسبة 23,0%. هل خرج قطاع الاتصالات من احتكار الدولة إلى احتكار الشركات؟
هذه مسألة كتبت عنها وتحدثت منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وقلت تحديدا إن خوصصة الفاعل الأساسي في قطاع الاتصالات مسألة مستهجنة، وإن التحرير هو المطلوب؛ شريطة أن يكون مضبوطا ومراقبا وتدريجيا، ويراعى فيه جانب المرفق العام. وقلت أيضا بأن الخوصصة بالعالم الثالث عموما وبالمغرب تحديدا لا تخضع لحساب النجاعة والعقلانية، بل هي نتاج الإفلاس المالي للدولة التي تتهافت على بيع ممتلكاتها الاستراتيجية للأجانب؛ بغية تغطية عجز الميزانية، ولا علاقة لذلك بالمرة بمسألة تحسين تدبير هذا النشاط المخوصص أو ذاك، أو إخراجه من الكساد، بدليل أن اتصالات المغرب لم تكن حساباتها سيئة عندما تقررت خوصصتها.
وقل
















